حكم الشرع الشريف في مضاربات الذهب والفوركس

Al-Azhar-Mosque حكم الشرع الشريف في مضاربات الذهب والفوركس

انتشر في الأونة الأخيرة مصطلح الفوركس، وأصل الكلمة إنجليزية Forex، وهي اختصارًا للمصطلح الإنجليزي Foreign Exchange Market ومعناها: سوق تبادل العملات الأجنبية. كثير من الناس يخلطون بين الفوركس والبورصة، ويظنون أن إحدى الكلمتين مرادفة للأخرى؛ لكن هناك فروق جوهرية بينهما.

الفوركس

هو سوق تبادل العملات الأجنبية خارج أسواق البورصة عبر شركات (وسيط) إلكترونيًا (عبر الإنترنت)، وهو مجال جديد له الأفضلية على البورصة؛ لأنه الأكثر ربحية. تكون فيها التجارة في عملات متعددة كالدولار والين واليورو والفرنك وغيرهم من العملات الأجنبية، والسلع كالذهب والنفط والنحاس والفضة. فتقوم الشركات بدور الوسيط لإعطاء تسهيلات مادية من البنوك إلى العملاء، حيث توفر لهم كل ما يحتاجه العميل للتداول عبر الإنترنت. ويتميز الفوركس عن البورصة في: أن سوق التداول فيه مفتوح 24 ساعة، وحجم معاملاته تصل إلى 5 تريليون دولار يوميًا، ولا مكان لديه للاحتكار؛ فهو سوق مفتوح للجميع، حجم الربح متحقق في حالتي البيع بسعر أعلى وعند الشراء بسعر أقل، وأخيرًا، يتواجد البائع والمشتري أثناء عملية التداول.

البورصة

أما البورصة فهي معروفة للجميع، وهي مجال معروف منذ سنوات طويلة، ومعظمنا يدرك مميزاتها ومخاطرها. ومن مميزات الفوركس التي تجذب العميل إليها دون البورصة أن الأولى لا تأخذ عمولة كبيرة مقارنة بالثانية (البورصة). فهي عبارة عن تجارة في الأسهم على خلاف الفوركس فهي تجارة في العملات.

حكم الشرع الشريف في تجارة الفوركس

كل يوم وكل ساعة، تهب على العالم نسمات الإبداع – وفقًا لمتطلبات العصر – فمع كل زمن تحتاج البشرية إلى ما يتفق معها من معاملات تواكب كل عصر من العصور. ومما لا شك فيه أن المعاملات بين البشرية تتطور – خصوصًا المعاملات المالية – وهذا يجعل من فقهاء وعلماء المسلمين في كل زمن يجتهدون في هذه المعاملات: هل هي تحقق مقاصد الشريعة أم فيها ما يفسد حياة البشرية ؟ لذا، وعلى الدوام، نجد رأيان أو أكثر في أي معاملات جديدة لم توجد في عصور مَن سبقونا. هذه الأراء تُسَمَّى بـ (اجتهادات الفقه الإسلامي)، وهي قائمة على مقاصد الشريعة، وهي: (حماية العقل، والنفس، والنسل، والمال، والدين). ونحن الآن بصدد (المال): وأوجب للحفاظ على المال السعي في طلب الرزق وأباح المعاملات والمبادلات والتجارة. وللحفاظ عليه حَرَّمَ السرقة والغش والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل وعاقب على ذلك. وعدم تبذير الأموال. وبالنسبة لحكم الشرع في تجارة الفوركس: فاختلف الفقهاء في حكم تداول الفوركس، فهناك اتفاق عام بين معظم الفقهاء على أن صرف العملة على أساس تَوَقُع أسعار العملات فهي (غير جائزة)، أي عندما تكون حقوق والتزامات الطرفين تتعلق بموعدٍ لاحق. أما إذا كانت مبنية على دراسة ودون معرفة مسبقة ما إذا كان هناك ربح من عدمه فهو (جائز)، وهذا ينطبق على سوق الفوركس.

وقبل أن أدخل في تفاصيل الحكم الشرعي، سأذكر لكم أهم شروط التعامل بالعملات والسلع:

  1. أن يتم البيع والشراء بصورة فورية ليس فيها شرط التأجيل.
  2.  أن تدخل العملتان ويتم تسجيلهما في حساب البائع والمشتري.
  3.  أن يدفع ثمن الصفقة بالكامل دون أي تأخير.
  4.  ألا تكون هناك فائدة في إجراء هذه الصفقات، فلو وُجِدَتْ فائدة فإن العقد فاسد ومحرم.
  5.  أن يشتري الإنسان بقدر ما معه من نقود.
  6.  في حالة عدم وجود ما يكفي من النقود فليأخذ قرضًا بدون فائدة من الوسيط، ولا يأخذ أي فائدة ربوية من نقوده.

لا شك أن التعامل في العملات هي من أصعب المعاملات المالية في الفقه الإسلامي، حيث يشترط فيه (التقابض في المجلس)، وهو ما أشار إليه سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلاً بمثل سواء بسواء يدًا بيدٍ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ ) رواه مسلم (1578) .

لذا، نجد اجتهادين من الفقهاء المعاصرين:

الأول: اشترط (التقابض في المجلس) استنادًا إلى الأحاديث النبوية الصحيحة التي وردت بوجوب ذلك، منها حديث عُبادة وأبي سعيد الخدري، حيث تُوجِب الأحاديث النبوية بالقبض في المجلس يدًا بيدٍ، والفوركس (لا يجوز) لأنه فَقَدَ شرط التعامل في العملات.
الثاني: وَسَّعَ الجانب الآخر من الفقهاء دائرة (التقابض)، فاعتبروا تسجيل العملة في الحساب البنكي بمثابة (التقابض في المجلس) المعتبر شرعًا. وعلى هذا الاجتهاد اتفق عليه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف (مصر)، ومجمع الفقه الإسلامي (جدة)، والمجمع الفقهي (مكة المكرمة).

وإليكم نص مقتطف من مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف: (التعامل بأسعار الصرف العالمية المعلنة على الشاشات الإلكترونية للتعاقد الحال بالسعر المستقبلي، بحيث يتم التقابض في التاريخ المحدد المتفق عليه بين الطرفين جائز على اعتبار أنه لا يوجد دليل يمنع ذلك”.

وأوضح المجمع في بيان لأحكام تلك المعاملات أقره في جلسته الأخيرة وأعدته لجنة البحوث الفقهية بالمجمع أنه “يجوز شرعًا ما يجري في البورصة من بيع عملة بعملة أخرى مختلفة القيمة والجنسية كبيع الدولار الأمريكي باليورو الأوروبي، كما يجوز للمؤسسات المالية الكبرى التعامل بالمصارفة فيما بينها بوسائل العصر الإلكترونية برأس مال ناتج عن عمليات مصارفة صادرة لها وعليها”.

وقد أعد فضيلة أ.د. محمد عبد الحليم عمر – مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بالأزهر – بحثًا مستفيضًا عن هذه القضية، وتقدم بها إلى مجمع البحوث الإسلامية، وأفتى بأنها (جائزة) شرعًا. وهذا ما أفتى به جمهور فقهاء المسلمين، وهو المعتمد والمعمول به، مع صحة الرأي الأول القائل بـأنه (لا يجوز) لعدم توافر شرط التقابض في المجلس يدًا بيدٍ.

والله تعالى أعلى وأعلم

هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف مقالات, مناقشات. الأوسمة: , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

أضف تعليقاً