الذهب في ثقافة الشعوب

الذهب في الثقافة الذهب في ثقافة الشعوب

إستخدم يونج، أحد مؤسسي علم النفس، مصطلح “اللا وعي الجمعي”، ليصف ما يشاركه البشر من وجدان علي إختلاف ثقافتهم. فإحدي العوامل الرئيسية التي تؤثر في النشاط البشري عامة هي المعارف و المعتقدات التي ترسبت علي مر العصور و الأجيال، و هذه ما تسمي “الثقافة”. فالثقافة و التراث يمثلان جزء لا يتجزء من تكوين الفكر البشري، و يؤثر علي طريقة تفكيره و أحلامه. فالرؤيا و أحلام الإنسان هي الدافع الرئيسي لتقدمه علمياً و سياسياً و إقتصادياً. و هذه التطورات تترسب بدورها لتصبح تراث و ثقافة الأجيال القادمة.

و علي مر التاريخ الإنساني، مثل الذهب قيمة روحية و معنوية للإنسان، تطورت و أصبحت قيمة إقتصادية فيما بعد لإكتشاف الإنسان ندرة هذا المعدن الأصفر. فترسبت ثقافات الحضارات العتيقة لتصبع معتقدات العصور الوسطي، و التي ترسبت بدورها لتصبح ثقافة الشعوب الحديثة. حتي وسائل الإعلام القديمة و الحديثة و وسائل إعلام ما بعد الحداثة، إستخدمت مدلول الذهب في الثقافة و ثبتت قيمته في ثقافتنا.

لذلك، فإن معرفة مدلول و أهمية الذهب في الأساطير القديمة ستزودنا بنظرة أكثر عمقاً للسلوك الإستهلاكي و الدافع الوجداني و المعنوي لشراء الذهب في مختلف أنحاء العالم.

تراث الذهب

إعتقدت ممالك مهد حضارات العالم القديم، حضارة الهند و الصين و بلاد الرافدين و النيل، بأن الذهب هو معدن سماوي و إلهي. و الحضارات القديمة الأخري كالحضارة اليونانية الرومانية و حضارات القبائل الجرمانية القديمة كحضارة إسكندنافية و الأنجلوساكسونس و الكلت وضعت الذهب في أساطيرها و خرافاتها كمعدن مقدس. و أخيراً، حضارات أمريكا الجنوبية القديمة كان لها رؤية مشابهة للذهب بعلاقته بالآلهة و قوته السماوية. و سنري بتفصيل أكثر ما رواه أجداد هذه الحضارات و ما تركوه من تراث عن الذهب.

تمتلئ أساطير الحضارة اليونانية الرومانية بالعديد من التحف و الأسلحة الذهبية، فعلي سبيل المثال لا الحصر، قوس أرتاميس و فروة جيسون الذهبية و تفاحة باريس الذهبية. و أخر مثالين كافيين لرؤية مكانة الذهب في الحضارة الغربية المبنية علي أسس الحضارة اليونانية الرومانية. فالفروة الذهبية هي الجائزة في مهمة جيسون للإطاحة بعمه و لخواصها العلاجية. فسافر جيسون في الأسطورة عبر البحر الميت للحصول علي هذا الأثر المقدس. و من المفارقات أن خراف هذه المنطقة قديمة كانت فرائها تحمل غبار الذهب القادم من نحت و تعرية الجبال الغنية بالذهب إلي يومنا هذا. أما التفاحة الذهبية، ثمرة شجرة الحياة طبقاً للأساطير الإغريقية، كانت الجائزة التي أعطاها باريس كحكم في مسابقة جمال بين الآلهة الثلاثة، هيرا و منيرفا و أوفروديت، للأخيرة ربة الحب و الجمال. و كما وعدت باريس بتزويجه لأجمل فتاة في الأرض، سمحت له أوفروديت بخطف هيلانة الطروادية زوجة الملك مينوس مما أشعل فتيل حرب ضروس إستمرت 10 أعوام. و لا داعي لذكر تماثيل الآلهة الإغريقية الذهبية مثل تمثال زيوس، ملك آلهة الإغريق في الأساطير، التي كانت توضع في أكثر المعابد المقدسة. فالذهب بالنسبة لهذه الحضارة رمز الحياة و السيادة و الغنى.

و الذهب في أساطير و حكايات القبائل الأوروبية القديمة الخرافية، كالقبائل الألمانية و الأيرلندية و الإسكندنافية موجود تقريباً في أساطير كل قبيلة من هذه القبائل. فالبطل الأنجلوساكسوني بيولف، لقي حتفه في صراع مع تنين بسبب كأس ذهبية سرقها أحد رعياه من كهف التنين. و الدولاهان، و هو وحش شيطاني في أساطير الكلت و الأيرلنديين، كان الذهب ما يقتله كما تقتل الفضة المذؤبين و مصاصي الدماء. و الجنة في أساطير شعوب الشمال في إسكندنافية التي كما يسموناها فالهالا، مفازة الشهداء و المحاربين، بها قاعة ذهبية مخصصة لأعظم المحاربين و مزينة بدروع ذهبية. و ملك الآلهة في الأساطير الإسكندنافية، أودين، كان يملك خاتماً ذهبياً يفرز و يولد 8 خواتم ذهبية أخري كل 9 أيام. فكان الذهب في الحضارة الأوروبية رمز الثراء و تجدد الأموال و جائزة للمحاربين العظام و يدفع شرور الوحوش. و توجد أساطير مشابهة في ثقافات قبائل الطوطم و الساكسون و الغال و الهون، الذين هاجموا الإمبراطورية الرومانية لنيل ثرواتهم و الذهب.

و في حضارة بلاد الرافدين، أرض العراق، كان للذهب نصيب في أساطيرهم. ففي معركة إثنين من أقوي الأرباب، إيمش و إنتن في أساطير السوماريين، كان الذهب هو الهدية التي أنهت الخلاف بينهم و وحدتهم للقيام بأعمالهم من زراعة و فلاحة الأرض. و كان الفأس الذهبي هو أول ما خلق إنليل، ملك الآلهة في أساطير الحضارة السومارية، ليزرع به الأشجار و النباتات. و كان يسكن بيتاً في الشمس من الذهب و الفضة. و الملك نبوخذنصر، المعروف و المذكور في الإنجيل و التوراة، بأنه من بني حدائق بابل المعلقة و بوابة عشتار، كان مغرماً بالذهب، حتي قيل أنه بني قصره و بعض مدينة بابل من الذهب. فكان الذهب رمزاً للملوك العظام و القوة المطلقة، و هدية تدفع الشرور و تزيل الأحقاد في العراق القديمة.

و أعتقد قدماء المصريين، أن أجساد الآلهة الفرعونية كانت من الذهب، و أن الفرعون نصف إله. لذلك حرص ملوك الفراعنة علي ترسيخ تلك الصورة بالإستحواذ علي الذهب و إمتلاكه و دفنه معهم، يلقوا الآلهة في الحياة الأخري و معهم دليل علي قرابتهم بالآلهة الذهبية. و كمية الذهب التي وجدت في مقبرة الملك توت عنغ آمون هي كمية كبيرة بمقاييس عالمنا اليوم، فما بالكم بهذه الكمية لملك واحد من أسرة واحدة ضمن 30 أسرة حكمت مصر الفرعونية؟ فكان الذهب في مصر الفرعونية رمز الأبدية و الخلود و الأمن من المجهول.

و في الصين القديمة، إعتقد القدماء أن اللون الذهبي هو ذروة الألوان. فكان لون يولد طاقتي الين و اليانغ معاً، و رمزاً للأرض و الهدوء و السكينة و الحرية. و كان اللون الذهبي هو لون التنانين، الآلهة الصينية المسؤلة عن الخلود و البعث. و الأباطرة الصينين جعلوا من اللون الذهبي شعاراً و ملبس لهم. و قالت أسطورة صينية أن كان كونغ، إله الحرير في الأساطير الصينية، كان يعطي البشر دودة قز ذهبية من دوده الخاص كل عام و يعيدونها له فيما بعد. و أرتبط لون الذهب في الصين بالحظ و السعادة و القدسية و السمو.

و الذهب في حضارة الهند القديمة له مكانة خاصة. ففي أساطير الخلق الأولي الهندوسية، خرج العالم من بيضة ذهبية تدعي هيرانياجرباه. و في البوذية التي نشأت في الهند، أكبر تمثال من الذهب في العالم يمثل بوذا و يزن 5،5 طن و موجود حالياً في تايلاند. هذا و يمثل دائماً بوذا في الصوريرتدي اللون الأصفر و فوق رأسه هالة ذهبية، و يوصف وجهه بأنه متلألئ كالذهب. و توجد في الهندوسية إلاهة للذهب، و هي لاكشمي ربة الجمال و الحظ و الثراء. و في عيدها يتبارك الهندوسيين فيه بشراء الذهب. فالذهب في الهند هو رمز للرخاء و الحظ الحسن.

أما الذهب في حضارات أمريكا الجنوبية، مثل حضارة الأزتك و حضارة المايان التي إكتشفهما الأسبان مع إكتشاف الأمركيتين، كان له مدينة سرية أسطورية مخفاه وسط الأدغال تدعي إلدورادو في كولمبيا، كما إعتقد الأزتك و الأسبان قديماً. و خلافاُ للحضارات الأخري، كان الذهب رمزاً لرب الحكمة في أساطير الأزتكس، قوتزلكتل، و هو المسؤل عن حماية الذهب و الصاغة. ربما كان لإعتقادهم أن الذهب هو عرق الشمس و يستخدم تراب الذهب في الشعائر الدينية، مثلما كانت الفضة دموع القمر. و إعتقد المايان، أن الإنسان خلقه إله أصفر بيديه من الذهب و ليس من الطين كما إعتقد شعوب العالم و الأديان القديمة.

و أخيرا، في ممالك حضارتنا العربية القديمة، من الفنيقيين و الكنعانيين في لبنان و فلسطين، و ممالك الجنوب مثل سبأ في اليمن و شبه الجزيرة العربية، و ممالك الشمال في التخوم المجورة لبلاد فارس و بلاد الرومان، و القبائل المختلفة في شبه الجزيرة العربية، كان للذهب أثراً بالغاً. و يكفي أنه كان أول أثر مكتوب بالعربية في الجاهلية هي المعلقات، التي قيل إنها كتبت بماء الذهب علي أستار الكعبة ليتفاخر العرب بلغتهم و شعرائهم أمام سائر الأمم. و لكن للذهب في ثقافة العرب تاريخ طويل سواء في ثقافة البدو أو الحضر أو الأرياف لن يسع ذكره الآن.

و الخلاصة، أن كل الشعوب لها تاريخ و موروث ثقافي يجعلها عاشقة للذهب. فدائماُ، كان الذهب رمزاً للشمس و مرتبط بالآلهة في أول المجتمعات الإنسانية، و رمزاً للدفء و السلطة و العظمة و الحياة و الكرم. فلا توجد ثقافة أو حضارة إنسانية علي وجه الأرض تخلو من الذهب في أساطيرها، فالذهب بشكل ما مرتبط بالآلهة أو توجد جنة مخفية فيها الذهب كجائزة للباحثين أو العظماء. و قايض أجدادنا إحتياجاتهم بالذهب و اكتشفوا التجارة، فكان الذهب هو المعيار المستخدم لما وجدوا فيه من قيمة لقرون طويلة بين الأمم، و لم يتوقف التعامل بالذهب إلامؤخراً في السبعينات مع إنتهاء العمل في الولايات المتحدة بنظام الغطاء النقدي. و لذلك، لا يمكن أن نقطع علاقتنا التاريخية بالذهب لما يمثله في وجداننا من قيمة معنوية و تاريخية. فكان الذهب دائما أفضل الهدايا و أشهر الكنوز و أكثر الحلي جمالاً و أكثر التجارات ربحاً و ثراء. ربما بعد 500 عام قد ينسي أحفادنا قيمة الذهب و يجدون بديلاً له كالبلوتنيوم أو الروديوم أو أي معدن آخر لم نكتشفه بعد. و لكن هذا من المستبعد أن يحدث، فقيمة الذهب في ثقافات الشعوب اليوم لم تقل علي الرغم من التغير العظيم الذي حدث في تاريخ البشرية منذ إكتشاف ذلك المعدن النفيس إلي وقتنا هذا، و مازل الناس يكنزون الذهب كمخزن للقيمة و معدن نفيس و محبوب أكثر من سواه.

هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف مقالات, مناقشات. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

أضف تعليقاً